محمد بن جرير الطبري
544
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الساعة التي امره يزيد ان ينهض فيها مشى بأصحابه ، فاخذ لا يستقبل من احراسهم أحدا الا قتله وكبر ، ففزع أهل المدينة فزعا لم يدخلهم مثله قط فيما مضى ، فلم يرعهم الا والمسلمون معهم في مدينتهم يكبرون فدهشوا ، فالقى الله في قلوبهم الرعب ، وأقبلوا لا يدرون اين يتوجهون ! غير أن عصابه منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جهم بن زحر ، فقاتلوا ساعة ، فدقت يد جهم ، وصبر لهم هو وأصحابه ، فلم يلبثوهم ان قتلوهم الا قليلا وسمع يزيد بن المهلب التكبير ، فوثب في الناس إلى الباب ، فوجدوهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب ، فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع عنه كبير دفع ، ففتح الباب ودخلها من ساعته ، فأخرج من كان فيها من المقاتلة ، فنصب لهم الجذوع فرسخين عن يمين الطريق ويساره ، فصلبهم أربعة فراسخ ، وسبى أهلها ، وأصاب ما كان فيها قال على في حديثه ، عن شيوخه ، الذين قد ذكرت أسماءهم قبل ، وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك : اما بعد ، فان الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما ، وصنع للمسلمين أحسن الصنع ، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه ، اظهر في خلافه أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان ، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباذ وكسرى بن هرمز ، وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله ، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين ، كرامة من الله له ، وزيادة في نعمه عليه وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد ان صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة سته آلاف الف ، وانا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله فقال له كاتبه المغيرة بن أبي قره مولى بنى سدوس : لا تكتب بتسميه مال ، فإنك من ذلك بين امرين : اما استكثره فامرك بحمله ، واما سخت نفسه لك به فسوغكه فتكلفت الهدية ، فلا يأتيه من قبلك شيء الا استقبله ، فكأني بك قد استغرقت ما سميت